#مقالات : قول على تعقيب \النائب أحمدو امبالة

#مقالات : قول على تعقيب

بقلم : احمدو امباله 

أود في البادية أن أعرب عن أهمية فتح فضاء للنقاش العمومي والتفاعل المباشر مع آراء النخب والمختصين حول قضايا السياسات المالية والاقتصادية للبلاد. 

إن هذا التوجه يعزز من قيم الديمقراطية التشاركية ويؤكد أن إدارة الشأن العام هي مسؤولية تضامنية ينبغي ان تسهم فيها النخب.


 

وإسهاما في هذا النقاش وبناء على المعطيات الإحصائية والهيكلية التي تفضلتم بطرحها، وتحليلا للمحاور الأربعة الواردة في منشوركم، أتقدم بهذه القراءة النقدية، والتي تتوخى تفكيك المؤشرات الاقتصادية والمالية الواردة فيه ووضعها في سياقها الهيكلي المقارن:

1-الاستراتيجية التخزينية والسيادة الغذائية (قراءة في كفاءة التخطيط)

* بخصوص مضاعفة الطاقة التخزينية: فإن الإعلان عن قرب امتلاك طاقة تخزينية تصل إلى 213 ألف م3 هو إجراء كمي مقدر، لكنه يظل غير كاف بنيويا ما لم يرتبط بآليات "المخزون الاستراتيجي الدوار" الذي يحمي الأسواق من صدمات الإمداد لمدد طويلة (فوق 6 أشهر) هذا فضلا عن ما يُثار من شبهات حول مسار الصفقة و أجال التنفيذ والسؤال الهيكلي هنا: ما هي الكلفة الاقتصادية لانتظار هذه العقود دون استشراف أزمات مركبة كأزمة الجائحة والحرب؟

* معضلة تكرير النفط: الإشارة إلى أن حجم السوق الوطنية لا يضمن المردودية الاقتصادية لبناء مصفاة وطنية هي مقاربة مبنية على "جدوى السوق المحلية الضيقة" غير أن التحليل الاستراتيجي يوجب التفكير في "التكرير الإقليمي المشترك" أو بناء مصاف صغيرة الحجم (Modular Refineries) التي أثبتت جدواها في أسواق مشابهة، مما يحمي البلاد من التبعية المطلقة للمنتجات المكررة المستوردة والتي تمثل استنزافا حادا للعملة الصعبة.

* السيادة الغذائية (الأرز والخضروات): إن تحقيق الاكتفاء الذاتي في الأرز (كميا) يواجه إشكالات حقيقية تتعلق بـ "الجودة، وكلفة الإنفاق على المدخلات الزراعية، واحتكار سلاسل القيمة"، أما تغطية 40% من الحاجة إلى الخضروات، فهي تظل تغطية "موسمية" عاجزة عن الصمود في فترات الفراغ الإنتاجي مما يفسر حدوث قفزات سعرية وكبيرة حادة بمجرد حدوث أي اضطراب في المعابر الحدودية.

2-التركيبة السعرية للمحروقات والسياسة الضريبية:

لقد قدم المنشور معطيات رقمية حول تطور الأسعار والضرائب، وتستوجب هذه الأرقام قراءة تحليلية مغايرة:

* تراجع النسبة لا يعني تراجع العبء فتراجع نسبة الضرائب والرسوم من 36% إلى 29% من سعر المضخة هو نتاج رياضي لارتفاع القيمة المطلقة لثمن البرميل عالميا (اتساع المقام في المعادلة الحسابية)، وليس نتيجة لخفض ضريبي حقيقي أقرته الحكومة لتخفيف العبء عن المستهلك، فالقيمة المطلقة للضريبة بقيت شبه ثابتة تدور حول حاجز 180 إلى 188 أوقية قديمة للتر، وهو عبء ضريبي مرتفع جدا على مادة استراتيجية ومحركة لكافة القطاعات الإنتاجية (كالنقل، الصيد، والزراعة).

* علاوة المورد وثبات الكلفة: الإشارة إلى ثبات علاوة المورد عند 27 أوقية للتر بناء على مناقصة 2023 يغفل أن شروط احتساب هذه العلاوة وآليات صياغة دفتر الشروط للمناقصات الدولية في مجالات الطاقة بالبلد تفتقر في إلى "الشفافية التنافسية الكاملة"، مما يجعل الهامش الممنوح للموردين مرتفعا مقارنة بأسواق دول الجوار الإقليمي التي تمتلك مرونة أكبر في التفاوض.

- 3جدوى الدعم الاجتماعي المباشر مقابل الاستثمار التنموي

* أثر السيولة المباشرة على التضخم: إن تخصيص 18 مليار أوقية للتحويلات النقدية والمساعدات العينية، وإن كان يمثل إسعافا ظرفيا مطلوبا للأسر الأكثر هشاشة، إلا أنه يمثل اقتصاديا "إنفاقا استهلاكيا غير منتج" يساهم بشكل غير مباشر في تغذية الكتلة النقدية المتداولة وبالتالي تعميق التضخم.

* غياب الاستهداف الديناميكي: إن الارتكان إلى "السجل الاجتماعي" الحالي تشوبه اختلالات بنيوية في حصر المستحقين الفعليين، مما يفتح الباب لهدر جزء من هذه الموارد في قنوات غير مستحقة، بدلا من توجيه هذه المليارات لإنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة تخلق فرص عمل مستدامة تنتشل تلك الأسر من دائرة العوز نهائيا.


 

4-معضلة الفساد والتمويل الذاتي للمشاريع

جاء في المنشور استعراض للمشاريع الممولة من الموارد الذاتية كدليل على محاربة الفساد والسيادة المالية، وهنا نورد الملاحظات الهيكلية التالية:


 

*مفارقة الموارد الذاتية وغياب الأثر:

إن التساؤل الاستنكاري المطروح في المنشور: "أين كانت هذه الموارد؟" يغفل حقيقة اقتصادية هامة، وهي أن الميزانية العامة للدولة تضاعفت مدفوعة بارتفاع أسعار المواد الأولية عالميا (الحديد، الذهب، والنحاس)، وزيادة الجباية الضريبية العمودية على الشركات والأفراد، وليس فقط نتيجة لـ "تجفيف منابع الفساد".


 

الخلاصة:

إن العبرة في الحوكمة الرشيدة ليست بحجم المبالغ المرصودة للمشاريع، بل بـ "معدلات الإنجاز الفعلي على الأرض وكفاءة  الإنفاق الكلي" إن بقاء هذه الاستثمارات الضخمة دون أثر ملموس في خفض معدلات الفقر العامة، أو الحد من البطالة التي تدفع بالشباب نحو الهجرة، يثبت وجود فجوة عميقة بين الخطاب المالي الرسمي والواقع الاقتصادي للمواطن. 

إن الإجابة على سؤال "أين تذهب ضرائبنا؟" لا تزال تتطلب أرقاما ختامية للميزانيات وتقارير دقيقة من محكمة الحسابات و مفتشية الدوله تثبت كفاءة صرف كل أوقية أُخذت من جيب المواطن في الصالح العام.

#قناة_المرابطون 

#موريتانيا